الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
471
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
المتعال . هذه الحادثة تبين أن المعجزات والخوارق لا تستلزم - كما ظن بعض - وجود النبي والإمام ، بل تظهر في كل ظرف يشاء الله فيه أن تظهر . والهدف منها إظهار عظمة الله سبحانه وحقانية دينه . هذا العقاب العجيب الإعجازي ، يختلف عما نزل من عقاب على أمم أخرى مثل طوفان قوم نوح ، وزلزال قوم لوط وإمطارهم بالحجارة ، وصاعقة قوم ثمود ، فهذه سلسلة حوادث طبيعية يتمثل إعجازها في حدوثها في تلك الظروف الخاصة . أما قصة إبادة جيش أبرهة بحجارة من سجيل ، ترميها طير أبابيل ، وليست كالحوادث الطبيعية . تحليق هذه الطيور الصغيرة ، واتجاهها نحو ذلك الجيش الخاص ، ورميه بالحجارة التي تستطيع أن تهشم أجساد جيش ضخم . . . كل تلك أمور خارقة للعادة . ولكنها - كما نعلم - ضئيلة جدا أمام قدرة الله تعالى . الله الذي خلق داخل هذه الحجارة قدرة ذرية لو تحررت لولدت انفجارا هائلا ، لقادر على أن يجعل في هذه الحجارة خاصية تستطيع أن تحول جيش أبرهة إلى ( عصف مأكول ) . لسنا في حاجة لأن نذهب إلى ما ذهب إليه بعض المعاصرين في تفسير هلاك جيش أبرهة بمكروبات وباء الحصبة والجدري ( 1 ) أو أن نقول إن هذه الحجارة كانت ذرات متكافئة أزيلت الفراغات بينها فأصبحت ثقيلة للغاية ، وقادرة على أن تخترق الأجساد . كل هذه تبريرات تستهدف اعطاء صفة طبيعية لهذه الحادثة . ولسنا بحاجة
--> 1 - تفسير جزء عم ، محمد عبده ، ص 158 . وذكر المؤرخون طبعا انتشار وباء الحصبة والجدري في بلاد العرب لأول مرة في نفس ذلك العام ، لكن هذا لا ينهض دليلا على أن هلاك جيش أبرهة بتلك الأوبئة .